ابن عربي

95

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

ومن باب من طرد فلزم حتى قبل أخبرني شيخ بالتنعيم ونحن محرمين نلبّي فقال : جاور هنا شيخ سبعين سنة ما منها حجة يحجها أو عمرة يعتمرها إلا يقال له عندما يقول لبّيك : لا لبيك ، ولا سعديك ، فأحرم معه يوما شاب ، فقال الشيخ : لبيك اللهمّ لبيك ، فسمع الشاب قائلا يقول له : لا لبيك ، فقال له : يا عم ، قد قيل لك لا لبيك ، فبكى الشيخ ، فقال له : يا ولدي أسمعته ؟ قال الشاب : نعم ، فقال له الشيخ : إن لي أسمعه سبعين سنة ، قال له الشاب : ففيم تتعب ؟ قال : يا بني ، فإلى باب من ألزم ؟ وإلى من أرجع ؟ إنما لي اللزوم والجهد ، وله سبحانه القبول إن شاء ، أو الردّ . يا بني ، لا ينبغي أن يطرده هذا عن باب مولاه ، ولا يحول بينه وبين خدمته . وبكى الشيخ حتى جرت دموعه على صدره ، ثم رفع صوته بالتلبية ، فسمع الشاب ذلك القائل يقول له : قد قبلنا إجابتك ، وهكذا فعلنا بكل من حسّن الظن بنا ، مع الاجتهاد في خدمتنا ، ولزوم طاعتنا ، وإيثار ذكرنا على ذكر غيرنا ، لا من يتبع هواه ، ويتمنى علينا الأماني . فقال الشاب : أما سمعت ما ردّ عليك ؟ قال : سمعت ، وعلا نحيبه ، واشتدّ بكاؤه . أخبرني عبد الرحمن ، عن عبد اللّه بن حبيب ، عن عبد الغفار بن محمد ، عن ابن أبي الصادق ، عن ابن باكويه ، عن الحسن بن أحمد ، عن محمد بن داود ، عن أبي عبد اللّه الجلّاء قال : كنت بذي الحليفة وشابّ يريد أن يحرم ، فكان يقول : يا رب ، أريد أن أقول لبّيك اللهم لبّيك ، فأخشى أن تجيبني بلا لبّيك ولا سعديك ، يردّد ذلك مرارا . ثم قال : لبيك اللهم ، مدّ بها صوته ، وخرجت روحه . في شرف التواضع والعلم ميزان الخشية حدثنا أبو محمد بن عبد اللّه ، نبأ علي بن الحسن ، نبأ عبد اللّه بن محمد بن أحمد ، نبأ جدّي أحمد بن الحسين ، أنا أبو بكر بن الحسن القاضي ، أنا أبو جعفر أحمد بن علي بن رحيم ، نبأ محمد بن الحسين بن أبي الحسن ، نبأ سعيد بن منصور ، نبأ الحارث بن عبيد اللّه الإيادي ، عن أبي عمر بن الجوبي ، عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بينا أنا جالس إذ جاء جبريل عليه السلام فوكز بين كتفيّ فقمت » ، يعني إلى شجرة « فيها مثل وكري طائر ، فقعد جبريل عليه السلام في أحدهما ، وقعدت في الآخر ، فسمت وارتقت حتى سدّت الخافقين ، وأنا أقلب طرفي ، فلو شئت أن أمسّ السماء مسست » .